كتب الجد الخبيث وصيته واودعها درجاً بلا قفل كي يتاح لأي شخص ان يضع فيها او يشطب منها او يعدل عليها. لم يفعل ذلك سهوا بل تقصّد ذلك لأنه كان يشعر بالحقد تجاه ابناءه واحفاده الذين لم ينصفوه بحسب تقديره لسلوكياتهم وتصرفاتهم معه طوال حياته. ونكالا بهم ترك لهم وصيته دون رقابة على درج بأمكان اي منهما ان يطاله .لم تكن وصيته بالطويلة بل تضمنت عبارات قليلة مقتضبة منها (تراحموا فيما بينكم ) و (كونوا نارا ودمارا على الغرباء ان خاصموكم او خاصمتموهم) و(لا ترحموا عدوكم) ً (واكرموا صديقكم) (والآخرين فأمنحوهم و اجزلوا لهم العطاء طالما كانوا تحت اياديكم وطوعاً لامركم ويخدمونكم و(افعلوا مايليق وابتعدوا عما لايليق) .فمن عمل بوصيتي وطبّقها حرفياً فله نصف ماتركت من اموالي وممتلكاتي والذين لايمتثلون لوصيتي فجميعهم سيتشاركون بربع ماتركت من مال وممتلكات ولأخي الكبير وابنته ربع ماتركت سواء امتثلوا للوصية ام لم يمتثلوا ولهما مطلق الحق في تسمية من سيشرف معهما على مراقبة اعمال تنفيذ الوصية والحكم لمن هو فائز بتطبيقها ومن ثم اعطاؤه نصف التركة. لم يعهد اليهما هذا حبا بهما كما تصورا هما والكثير من اهل الدار بل ليكون نصيبهما حافل بالتشويش.ومع الصرخة الاولى لأبنة صاحب الوصية والتي اعلنت عن موته هرع الجميع كل الى العمل الذي ير نفسه كفؤا له مترحما على روح صاحب الوصية الذي لم يسمّي الاختصاصات واصحابها ولم يقسم الاعمال الدائمية على افراد اسرته وترك الامر لهم او غفل عن ذلك فالذي كان يسوس الخيل في حديقة القصر جعل من نفسه نجارا للقصر لأنه ير في النجارة افضل من سوس حصان وبدأ بصنع اثاث غير متناسق معتمدا على النماذج القديمة والتي لايتقنها كما ينبغي واستحال منظف البيت الى كهربائي وبدأت النفايات تملأ القصر وفي اول عمل كهربائي له احرق غرفته واثاثها لربط خاطئ قام به للاسلاك واحترقت يداه ووجهه وامتلأ الطابق الاول من القصر دخانا. وقرر البيطري منهم ان يكون طبيب بشري فوصف لهم العلاج ومات ثلث اهل القصر لوصفاته الخاطئة وتشخيصه العبثي لأمراضهم. انطلق من جهة اخرى إخرين لينفذوا اوامر الجد في وصيته فقبّلوا رؤوس بعضهم وربتوا على اكتاف بعض ليشعروا بالرحمة بعضهم بعضا. وانطلق بعضهم حاملين اعمدة من نار ليحرقوا حقل جيرانهم الغريب عن عاداتهم وتصرفاتهم ولكون جد الغرباء كان خصم لجدهم امام القاضي في تهمة اعتداء جدهم صاحب الوصية وتجاوزه على ممتلكات جد هؤلاء الغرباء عنهم في قضية قديمة وانطلق آخرون ليشمتوا بشخص كان يحمل لهم الضغينة كما هم يتصورون لا كما هو واقع الحال وراح قسم منهم لقطف بعض الكروم حاملينها الى صديقهم الذي اهداهم التفاح في لقائه الاخير معهم وخرج اثنان منهم ليمنحوا ويجزلوا العطاء لبعض خدمهم وعبيدهم لكنهما اختلفا على المنحة التي سيقدمانها لهم وعن نوعها وحجمها وتوقيتها وتشاجرا شجارا عظيما داميا.وخرج بعضهم حاملا منشار كهربائي ليقطع به شجرة بلوط لأنه ير من غير اللائق ان يكون للبلوط وجود قرب بيتهم بينما عارضه آخر قائلا ان قطع الاشجار المثمرة يعد مما لايليق فرد عليه الاول انا اعلم منك بما يليق ومالايليق فتقاتلا بالسكاكين واصيبا بجروح بالغة .وبعد ان اجتاحت الفوضى العارمة قصرهم ودبت فيهم النزاعات والاختلافات والكراهيات لبعضهم سخط قسم منهم على الوصية التي زلزلت العلاقات بينهم وارتأى بعضهم ان راحتهم وسلامهم دون اهمية الوصية وانها تستحق كل تعب ونَصَب في سبيلها فالمكافأة مجزية ومغرية. فنصف اموال وممتلكات ذلك الجد ليس بالأمر الهين ويستحق كل هذا العناء واخيرا برقت لذهن احدهم فكرة التحضير لاجتماع يحتوي الكل ونجح في ذلك فاجتمعوا وترحموا على روح جدهم الفقيد وقرروا ان يحتكموا الى القضاء لغرض الفصل باختصاصات اهل القصر ونوع الاعمال وطبيعة العلاقات بينهم وبين افراد المجتمع بحسب مايفهمه القاضي من ارادة صاحب الوصية لذويه والتي عجزوا عن فهمها واختلفوا فيها اختلافا مزريا فأختاروا اثنين منهما لينوبا عنهما امام القاضي وبرفقة المحامي لغرض فهم محتوى الوصية والزام الجميع قضائيا بالعمل بها دون عبث ومشاكل ودون ضوضاء. قام سكرتير القاضي بأدخال ملف قضيتهم الى القاضي وعاد اليهم برأي القاضي مهمشا على الملف بعبارة (تحال القضية الى ضابط التحقيق في مركز الشرطة لتشخيص الجناة ممن لم يرتكبوا جناية) وبعدها يتم انتخاب لجنلة برئاسة القاضي لغرض تشخيص صلاحية الوصية من عدمها وتقدير الحالة العقلية والنفسية لكاتبها ان كان سليم العقل او معتل وما اذا كانت فعلا هي وصية الجد ام اضيف اليها مالاينتمي لها وتم التلاعب بها .فأنطلق الاخوان مسرعين الى دائرة الشرطة وكانت صدمتهما عظيمة هناك حيث علما ان الضابط غائب عن عمله ولا ضابط لمركز الشرطة سأل كبيرهم احد رجال الشرطة قائلا :
ـ متى سيأتي الضابط للعمل
ـ لست اعلم يااخي فقد يأتي او لا يأتي وهذا الامر علمه عند الوزارة التي مللنا من رفع طلباتنا اليها لارسال ضابط لدائرتنا لكنه النحس المستمر ياسيدي
ـ منذ متى وانت تعمل هنا ياحضرة الشرطي ومتى آخر مرة رأيت هنا ضابطا
ـ ياسيدي انا منذ سنين وانا اعمل هنا والضابط غائب بل (ليس هناك ضابط من الاصل ياسيدي) وليكن هذا الكلام سرّا بيننا فلاتفشيه لأحد كي لا تتسبب بفصلي من عملي ويطال عيالي الجوع والفاقة لكنها الحقيقة ياسيدي. ابلغتك بها كي اوفر عليك عناء البحث عن الضابط وكي لايضيع عمرك وانت تلهث وراء قضية خاسرة لا حل لها عقد اطرافها جد خبيث وورط ابناؤه واحفاده في بلية ومصيبة وكارثة لا حل لها وادخلهم في متاهة واغلق عليهم المنافذ واوصد كل ابوابها بدهاء .
ـ ولماذا ياحضرة الشرطي لايكون احدكم ضابطا بدلا عن هذا الغائب الذي لايرجى حضوره ولا وجود له اصلا
ـ ياسيدي ليس الامر كما تظن فدائرة شرطتنا نحن من جملة قوانينها انك حين تتعين شرطيا هنا يؤخذ منك تعهد خطي انه ان فكرت ان تكون ضابط فبغير هذا المكان يكون لك ذلك لأن منصب الضابط هنا محجوز لشخص مجهول وسيتم تعيينه من الوزارة حتما وسيتنسب الينا لامحالة لكن لانعرف متى ومع ان اغلب شرطتنا هنا غير موقنين ولا مكترثين لذلك طالما يستلمون رواتبهم وبشكل منتظم فأن جاء فمرحبا به وان غاب فرحمة الله عليه .وعندها احتار الاخوان بماذا سيعودون وماذا سيقولون لمن ينتظرهم في القصر فأن قالا بغياب الضابط سيشتعل القصر واول من سيناله البؤس هما. وان قالا الضابط موجود فسيقال لهما مارأيه بقضيتنا فأن قالا قال كذا سيقال لهم ارونا ماذا كتب فأن كتبا بدلا عنه سيطعن بعضهم بالكتابة لأنهم يعرفون خطوط بعض. وان ترك الامر للشرطي ان يكتب فسيتم الطعن بالمحتوى ويتهمان وينكشف امرهما بل حتى الشرطي لن يغامر بهكذا قضية بالغة الخطورة. فقرر احدهما الهجرة الى مدينة اخرى وترك الجمل بما حمل وليسلم على حياته التي قد يسلبها منه مجانين الدار في نوبة هستيرية قد تعتريهم عند مصارحته لهم بغياب الضابط وقرر الآخر ان يعود للمنزل وليصارحهم بغياب الضابط وعدم وجوده من الاصل ضاربا عرض الجدار كل المحاذير التي تلوح له بمصير ليس على مايرام قد يطاله في القصر وودع الاخوان بعضهما فقال الاول امنياتي لك بالسلامة يااخي ومضى عنه .وقال الآخر متحدثا مع نفسه سأعود لأخوتي وابلغهم بغياب الضابط وليحدث لي مايحدث .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق