الأحد، 20 مارس 2016

نثرية الهامش / بحث سيمائي ــ دلالي ، القسم الأول . (زمن الدهشة ولى ، وزمن الصعق موتا أتى ) للشاعر فريد قاسم غانم....بقلم الناقد.....محمد شنيشل فرع الربيعي ...العرق



(إحذروا العتبات ...) جنيت

مقدمة لابد منها 
(فلسفة الهامش تذوب في الأنساق العملية للنص الأدبي فيحدث نظام من الصيرورة المتحولة في الدلالة . الصيرورة التي تشق طريقا نحو المعرفة لا شك أنها صيرورةٌ قائمة بجوهرها فتنعكس كنتيجة معرفية . وهكذا تتجلَّى المعرفةُ من خلال تطور صيرورة الفكر والعقل فيتجدد معها الإستقراء ، وهذا نتاج طبيعي موجود في العمق الفلسفي للإنسان ، فلا يمكن الأخذ بالفصل بين الفكر وتركيبة الأنسان المفكرة دائما ، وقد شكلت دلالة المفردة والجملة والنسق ... جدلا خرافيا ! ذلك لان النص الأدبي لا قواعد له حيث إن القواعد تذهب أثره و تفقده سره ، وتحجم طبيعته) الكاتب
نعتقد أن القاريء قد سأم من المخرجات النقدية المتعلقة بالإنزياحية اللغوية ، والتناص ، والرمزية ، والبلاغية اللغوية و ... والأمر سيان مع كتابة النص والأخذ بعصريته ، وحان الوقت أن نجد خارطة طريق جديدة نقلع معها الى حيث الفلسفة المفتوحة على النص وعلى الإنسان ، الإنسان فيلسوف مصنوع على حب الحكمة ، وقد يحتاج الى من يدله على ذلك العمق المعرفي الواسع ، قد لا يوجد في النص الأدبي سبر الغور في المرحلة الجديدة واللاحقة ، لأنه أسنفد كل تناصه وكل موضوعاته الحياتية ، والحياة تلزمنا أن نُلبسها ثوبا جديدا دائما . وهنا نقف من جديد قبالة الموضوعات الفكرية التي لا تنتهي أبدا ما زال الإنسان يفكر .
إن النصوص الأدبية التي تُكتب لتأصيل فكرة جديدة ينبغي لها أن تكون مرافقة لهذا التغيير مدافعة عنه ، محدثة لها بزوغا إسلوبيا ينتج على الواقع أثر تلك المتغيرات . إن إيصال الدلالة نوع من القدرات الإسلوبية المعتمدة على الفكرية البشرية وإستغلال الكاتب لكل ما هو جديد ومنشط للوجود ، فالفكرة نقطة إقتناص اللحظة التي لربما لا تتكرر ، وتوثيقها خير من يُمثلها بصيغة الشروع الكتابي الذي يمثل تلك اللحظة ، وإثناء ما رأينا من جهد كبير ضائع في كتابة الهامش أرتأينا أن يكون للهامش مكانا آخر غير المكان الذي هو عليه فاذا كانت هذه الهوامش تمثل عناوين مصغرة خارج نسق النص العام ، أو عتبات معرّفة فقط ، أو مرموزات أو شخصيات تاريخية... فينبغي أن لا تكون مخصصة في أنساقها المعيارية ، وبالنتيجة تدفع بهذه الانساق الى تكوين أنماط دلالية لا تتناسل مع بعضها من أجل إدراك القيمة التعبيرية وإيجاد الأبعاد التشكيلية التي تساهم في بناء فلسفة النص مضافة الى ذلك وصول القاريء الى أبلغ درجات (التليّف العقلي) فينقلب النص الى (طارد للتفكر) بدل من مستقبِل ومستكشِف لحياة النص كوحدة تستمد بقائها من قبل ذلك (الهامش التقريري أو المفترض) فبدل من أن نضعه في آخر النص كلغة معيارية نعرّف بها ما نريد تعريفه ، يستطيع الكاتب أن يستغله ضمن النص كعنصر فعال في إمداد الدلالة ، فيتحول الهامش من طور معياريته الى عنصر فعال في النسق تتفاعل فيه المفردة بطريقة الإستثمار لأكبر دفق لغوي ، وفك الإرتباط مع سلطة الناقد ... 
أما على المستوى السيمائي ، باعتبار أن البحث له صلة بالعلاقات الدلالية ، فيكون التحليل لأي منجز نصي يمر بمرحلة السيميوطيقا النصية ، حيث تتناول العلاقات النصية من خلال فهم الأنساق العلاماتية ، وهذه العلامات اللسانية أو غير اللسانية متحولة ، تنشيء علاقات دلالية فيتحول المدلول في نظام زمني معين إلى دال ، باحثاً عن مدلول أخر ، وهذا الإهتمام بنظام الانتاج الدلالي يمثل الإرتباط الفعلي بالقدرة البشرية على إنجاب حمولات معرفية جديدة .


أنواع الهوامش

1 ــ الهامشية التقريرية
ملاحظة / لقيمة النصوص التي وجدناها خير عون لنا في التمثيل كان إختيارها لأجل تقريب المعنى ... فنتسميح أصحاب النصوص عذرا .

حَبْلُ ماءٍ//
(المعلّقةُ الأولى)/
بقلم: فريد غانم
****
سنبدأُ، هذه المرَّةَ، من خَطِّ المنتَصَفِ بينَ حربَيْن راقيَتَيْن تجُرَّان بين سيقانِهما جَروَيْن ثريَّيٍن في الشَّارعِ المرصوف بالأحذية الشاهقة، ونمشي على خيطٍ رفيعٍ بين قُطبَيْن متأرجِحَيْن. فالآن، حين يمدُّ البندولُ ذراعَهُ إلى جيب ساعةِ الزّوالِ، حسب توقيتِ غرينيتش، سوف نرى قيْظًا يحرقُ فروَ الدُّبِّ الأبيضَ. ثلجٌ قديمٌ يدلِفُ من القُطْبِ الشّمالي إلى خطَّ الاستواء. عجائزُنا يحتفظْن بقنديلِ علاء الدّين في الحظيرة، ويتابعن برنامجًا تلفزيونيًّا عن تنحيفِ الحواجبِ والتَّخلُّص من الشَّعر الشَّائِب.
سنرى شمسَ الظَّهيرةِ تدخلُ خِلسةً في كهفِ أهلِ الكهف، تكسِرُ حكايتَهم، وتوقظُهُم فوق عامود ملحٍ في المساء.
وسوف نبدأُ هذه المرّةَ من ثُقْبٍ بلا بابٍ، من نافذةٍ بلا جدارٍ، من ثَغْرٍ بلا شَفَةٍ، ومن قمَرٍ سقطَت منه السَّماء. فها هُوَ ذا شيخٌ دمشقيٌّ، لم يبقَ له غيرُ ساقِ صفصافةٍ مجفَّفةٍ وسِنٍّ واحدةٍ، يُلقي عصا التَّرحالِ أمامَ أطلالِ بيتٍ جدِّه لأبي أبيه. سيُمْسُكُ الأممً المتحدةِ من لِحيتِها المُثلّثةِ، ويهزُّها من جلبابِها المدجَّج باللَّباقةِ. سيقولون: لم يبقَ لك حفرةٌ ولا غرابٌ في هذا المكان. فيقول: ليَ فتحةٌ عتيقةٌ مزروعةٌ في هذا الخَواء.
وسوف نبدأُ من سُرَّة الوقتِ. ولسوفَ نعيدُ الحبل َإلى قَبضاتِنا، من غاربِ الحصانِ الأصيل، ونسبقُ العدَّائينَ في كرنفالات الأولمب(1)، في ركْضَةِ قرفُصاء.
سنُعيدُ، هذه المرَّةَ، البيضةَ الصَّخريَّةَ إلى نَسْرَيْن تناصَفَا الأرضَ كلَّها ثمَّ فقَسَا نبوءةً غامضةً فوقَ "دلفي"(2). سنقرأ الأسفارَ المكتوبة على ورقِ الخريف في دربِ ابن الرّومي(3)، وننتعلُ حذاءً محظوظًا ما زال يسكنُ في سفر ابن سيرين(4). وسوف نعيدُ مركزَ الأرضِ إلى كُرةٍ فضفاضةٍ، تعبَتْ فيها عيونُ باسكالَ(5) وعثرَ فيها بورخيس على صورتِه المتناسلة قبالةَ المرايا المتقابلَة.(6)
سنرحلُ، حين نسأمُ من لا مبالاة المجرَاتِ، إلى الكونِ السّادس والستّين.(7)
سنطلِقُ النّارَ من قوارب القّصَبِ على رصيفِ أرخميدس ونحدِّبُ مراياه المُقعَّرة، ونطلقُ سراح النِّساء المُقيَّدات بسلاسل أرسطاطاليس(8)، ونفقأُ عينَ العاصفةِ بقشّةِ تِبنٍ تائهةٍ بين خيامِ بني أسدٍ.
سنبدأُ، هذه المرّةَ، في رسمِ المعشوقةِ الأبديَّةِ، بلونٍ ما فوقَ فحميٍّ ويدٍ مستعارةٍ من جِدارِ المغارةِ الأولى.
وسنرسمُ عذراءَ الدُّروبِ؛ سنرسمُها خَصْرًا نحيفًا معلَّقًا على منديلٍ يُلوِّحُ بالمقلاعِ وبالتَّحيَّة. سنرسمُها جرَّةً فخَّارٍ مُعلَّقةً على ينبوعٍ، وينبوعًا مُدلًى من شعرِ غيمةٍ حَلُوبٍ. وسنرسمُ، على لوحةٍ بلا إطارٍ في الهواء، جرَّةً تحملُ الأرضَ والقَلْبَ، بيدَيْنِ عصفورَيْنِ، وعشرِ شُموعٍ من حرير.
ولسوفَ نقلبُ، هذه المرّةَ، ترتيبَ العلائقِ؛ بين الجارِ والمجرورِ، بين الوَسمِ والموسوم، بين اللَّفطةِ والمعنىى، بين الشَّاهدِ والغائبِ، ونعكس سِلسلَةِ التَّتابُعِ بين قطرَتَيْن توأمَيْن.
ولسوفُ نملأُ المعنى بالرَّمْلِ وبالفراغ.
وسوف نقولُ، حينما يهطلُ المطرُ: ابتسامةٌ تُورِق ُغمّازتَيْن، خليَّةٌ مجنونةٌ تثمرُ خالًا على وجنةِ حوريَّةٍ، بحرٌ يصعدُ في الرَّوافد، وشوكٌ في رخام ِ الخدِّ يُزهرُ وردتَيْن.
وسوف نعلِّقُ طاقيّةَ الإخفاءِ على شمَّاعات المدينةِ، لنرى وجهَ الصَّائغِ، ونعلِّقُ المصانعَ بخيطِ دُخانٍ، والحدائقَ على ناصيةِ خَيَالٍ جَسُورٍ، وننثرُ الأوزونَ فوق ثقوبِ سقفِنا الدَّالفِ، ونعكسُ الدَّوْرةَ الدَّمويّة: رمادٌ معلّقٌ على جمْرٍ، جمرٌ على خشبٍ، خشبٌ معلقٌ على ريحٍ، ريحٌ معلّقةٌ على أشيائها، بحرُ يرضعُ من نهرٍ، نهرٌ يشربُ الغَيْمَ، غيمٌ معلّقٌ على فستانِ الهَباءِ والابتهالِ، وفستانٌ معلَّقٌ على حَبْلِ ماء.
وحين نخسرُ راحاتِنا، بين حربَيْن، سوفَ نتقنُ مهنةَ الشّحاذة على أبواب المعابد.
وحينَ نبيعُ شفاهَنا، سوف نبتسمُ ابتسامةً دائمةً.
_______________
هوامش وأنصاف إضاءات:
1) الأولمبياد.
2) معبد دلفي الشّهير، في اليونان القديمة. يحكى أنَّ زعيم الآلهة زيوس، أرسل نسرَيْن فطارا من طرفيّ الأرض في اتّجاهَين، فالتقيا فوق الوادي الذي أقيم فيه معبد دلفي. وسقطت هناك صخرة هائلة، سُمِّيت البيضة الصّخريّة. وصارت كاهنات دلفي يقرأن كلام الإله أبولو، بالإصغاء إلى حفيف الغار، ويوزّعن النّبوءات التي تحتمل كلّ تأويل. وهكذا، بالمثل، صار مركز الأرض ينتقل من مكان إلى آخر، كما تشاء الحكاية التي تستندُ إلى الحكاية، تجامعُها ثمَّ تأكلها.
3) ابن الرّومي، هو الشّاعر العربيّ الذي اشتهر عنه التّطيّرُ والتّشاؤم. فيحكى أنّه صادف في طريقه، خارج بيته، ورقةً تناثرت وتجعّدت، فقرأ فيها كلامًا فيه تحذيرٌ من الخروج، فعاد إلى بيته وأغلق الباب خلفه. ويبدو أن ورق الأشجار يقول أكثر ممّا ننتبه.
4) ابن سيرين، صاحب كتاب "تفسير الأحلام". وللأحذية والنّعال دورُ بطولة في هذه الأحلام وفي غيرها.
5) باسكال، رياضيٌّ وفيزيائيٌّ فرنسيّ، رأى الكون كرةً لا نهائيّة. فذكّرَنا الكاتب خورخيه بورخيس الأرجنتيني، بناء على ما قيل قبله وبعده عن لا نهائيّة الكَوْن، إنَّ كل نقطة في الكرة اللّانهائيّة هي مركز الكرة بالضّرورة. لكنّه لم يتعرّف على نفسه، ولا على صديقِه، حين جلس في فندقٍ تقابلت فيه المرايا (راجع كتابات بورخيس، بما فيها "كرة باسكال".).
6) وللمرايا المتقابلة، مثلما للعيون المتقابلة، حكايات مثيرة أيضًا في علوم الفيزياء الكونيّة الحديثة والعشق والكذب.
7) يعتقد بعضُ العلماء أنَّ لدينا أكثرَ من كونٍ واحد. سيقول قائلُنا، ما دمنا نتقاتل على كوكبٍ هو أصغر من هبوةٍ في هذا الكون اللَا نهائيّ، فما الحاجة إلى أكوان أخرى؟ وما دام اللّانهائيُّ متوفّرٌ هُنا، فما جدوى الأكوان المجاورة؟ ألسنا نواصل، بحهد مضاعفٍ، إثباتَ صحَّة نظريّة المربّعات المستديرة؟
8) أرسطاطاليس (أرسطو)، فيلسوف يونانيّ شهير، تلميذ أفلاطون، وله رأيٌ مثيرٌ للجدَل في مسألة موقع المرأة ومكانتها في المجتمع.
""""""""""""""""""
سؤال : ماذا لو وظف الأديب غانم هذا الكم الكبير من الهوامش في النص ، ووفق مشغلات شعرية ، متخلصا من تقريريته ؟ لربما يُصعق القاريء متجاوزا مرحلة الإندهاش ؟
في خاتمة هذا النص الكبير للأديب فريد قاسم غانم ، والذي وضع فيه الكثير من التعريفات بما تضمنه النص من أسماء لشخصيات تاريخية متنوعة ، ونظريات ، وأماكن ، وهو القائل في نهاية النص:( هوامش وأنصاف إضاءات) حتى مع تلك (الأنصاف) يتحقق النص الموازي . والذي أراد به فريد غانم أن يوصل مختصرات هذه التعريفات كأدفاق تتسلسل في قيمة دلالة النص متسلقة الى ذهنية القاريء ، بطريقة إنشائية الهامش المكانية وهي مما لا شك فيها قد وصلت للقاريء ولا ريب . 
أراد الأديب (فريد غانم) أن يهدف الى تسويق الدلالة التقريرية البحتة للمفردة ووفق نظرية دور (النص الموازي) في التقريب الدلالي وفتح المجال قبالة القاريء أن يلازم منحى آخر غير النص الأصيل والذي يكون مواز له ، وما ذكره يعبر عن (تعريفات) تفيد القاريء في إيجاد ولو بعض الضالة الدلالية في نهاية النص حول ما تم رصده من هامش عن طريق الربط العلائقي بين النص(كنزوع أدبي) وهامشه (كنزوع معياري) وهذا أمر مألوف ضمن العتبات ، والعناوين ، والهوامش... في النص الأدبي والتي أولاها جنيت... بحثا ودراسة في كتابه (أطراس) ولاسيما في مجال السرديات .
ينبغي أن أستدرك ما أفهمه بصفتي قاريء ، أن الهامش هو جزء من النص شريطة أن يتفاعل مع الأنساق الشعرية ويترك معيارته ومكانه ، لكن ما يحصل حسب تعريف (جنيت) للعتبة ، وهنري ميتران لهامش النص ، والعنونة عند شارل كريفل ، ما يحصل لم تتلاقح هذه المسميات أو الرؤى مع روح النص ، وبقيت هوامش معيارية في حقيقية تواجدها ، لها حدود قد وضعت لإجلها، وعلى هذا فإن النص الموازي لم يقدم للنص الأدبي سوى تعريفات ظانا بالمقاربة الدلالية ، وتقريب وجهات النظر بين المشغل الشعري والتقريري ، وليس هنالك تناغما ما بين طور النص الأدبي ، وطور النص الموازي المعياري حتى في باب التسمية ، النص (الموازي) فهو تابع لا طائلة من تواجد توازيه لأنه لا يلتقي مع النص الأدبي ، وإنما هو سمة دنيا في النص موازية له . 
قد الحق بالإنسان ضمورا فكريا وكسلا قرائيا ، وذلك من خلال تقديمه المعلومة الجاهزة الى العقل ، وكل مايجاوره من أنساق شعرية عليا لم تتعدى كونها أسوار مكهربة ، محرمة عليه لا تفيد النص في الإفصاح عما أفتقرت اليه اللغة وتحجمت بفقرها التوسعة الدلالية ، وكل ما فعلته هو كثرة المباشرة في النص ، ملحقة بالهامش ، فتشتت الدلالة ما بين الهامشية المعيارية وبين دلالات النص المتوالية في الإشتغالات الشعرية.
حينما تتعثر الدلالة في النص الأدبي وتضيق بمفاهيمها يشعر القاريء أنه بين بطء التلقي ، وملل المكرور ، بين الإنشائية وبين الشعرية ، فلا يكون القاري يتنفس إلا من تلك المساحات فيكون في حالة (فشل دلالي) وإن توافرت المعلومة بين يديه فهي نوع من الضخ التقادمي ، الأمر الذي نحتاج فيه الى إيجاد رؤية تنتشله من كساد الفكر المحيط به وذلك أن تجعل للدهشة صراخا في المضمون ، وحركة في الشكل ، فوجدنا أن يتحرك الهامش مكانيا غير مقترن بمعيارته ، وإنما يأخذ طورا حياتيا جديدا ينصهر بين طيات النص فيشكل أسلوبا مغايرا لما كان عليه . فالهامش بعد إذابته في النص (موت المكان) يكون قد تجاوز جميع حدود المعيارية في شعرية الجملة كما أنه يخرج من حدود مباشرته الى عادات قرائية جديدة ينتج من تفاعلها مجموعة من العناصر المختلفة والمتطورة ، فكانت الهوامش الجديدة أشكال هندسية تضاف الى العناصر كموّرد دلالي ، أو أرقام تنصهر في إرهاصات الدلالة ، أو علامات تضاف الى المشغل الشعري ، وهذا الشكل الجديد يختط لنفسه أكثر من هدف واحد ، منه الوصف عن طريق الإبحار في عالم اللغة والأبنية النصية والدلالية العددية والعلامات ، والتحرك من المكانية صعودا الى الإشتغالية (مكان النص) لخلق معطيات مستحدثة لجميع الأشكال الهامشية ، وحرث أرض النص بآلة معاصرة تتقبل أنواع الغرس وتعطي أنواع الثمر ، هذا التواصل مع النص يبني عليه (خزين) من الطبقية اللغوية العالية وشق قراءات جديدة وإعادة مفهوم الإستقرائية وطريقة كتابة النص الفلسفي... وفق مشروع (نثر الهامش) الذي يعمل على هدم (تحقير الهامش) وتنوير النص بتجليات الدفق المعرفي ، فاتحا آفاقا جديدة من (الإسلوبية التوظيفية) وإرساء سمة النثرية الحقيقية بخصيصة الطبيعة الشعرية وهذا ينسحب على التنوع الجملي ما بين طولها وقصرها ، بمعنى قد يضاف(الهامش) الى مصاحبة الجمل القصيرة محدثا (سوارات) أثر تدفق العناصر بقوة في الجملة ، إذ هنالك نصوصا أدبية تعاني المباشرة ، قد يخدمها هذا النوع من التوجه وهي تفيد الإخبار عن دلالة الهامش ، والطويلة المنسوجة بشكلها الفني قد تجد مساحة من الحرية الفكرية أوسع مما كانت عليه دلاليا ، وكذا المتوسطة ، فيكون الهامش قد تمدد في داخل النص وتحول الى فرض أقوى من العنصر اللغوي الذي قد يكون (فضلة) وهذا التقييم إشارة إلى الاكتناز الدلالي وتفلّته من القواعد والضوابط أسفل أو نهاية النص والحصول على خاصية التماسك الدلالي المتطورة ، من خلال تحريك ما هو غير متحرك . وتفتيت ما هو عضوي ، وإستنطاق ما لا يُستنطق ، وفتح ما كان مغلقا ، وتشذيب ما هو غير مشذّب...
من الفوائد التي تعم على القاريء ، هي التخلص من ظاهرة (التليّف الفكري) فما عاد القاريء يخوض في القراءة التقليدية (الكتاب) المتبعة ، وإنما أعتمد الجاهزية في الحصول على المعلومة مما حدى به أن ينفصل عن النشاط القرائي ، وبالتالي فك إرتباط الذهن بالبحث العلمي ، لكن بهذه الرؤية سيُنار الطريق بكل ما من شأنه أن يجدد النص والحياة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق