الشِعر احساس عميق امتلاك للشاعرية لدى الشاعر تمكنهُ من الذهاب بنا لأبد المديات،الكلمة الرصينة هي كالجوهرة لدى الشاعر المتمكن لايسمح لاحدٍ الاقتراب منها، أي يعتبرها من ممتلكاته الخاصة والنادرة، أذن الشِعر ليسَ مجرد ترتيب كلمات، إنما هو جمع الاحساس على كتلة واحدة،عندما يتلون الشِعر بلون الواقع وقضاياه، فإن الشاعر ينخرط بكل حواسه ونبضاته في ذاك الواقع لينقله لنا ويجس نبضه بكل تفاصيله ووقائعه بكل صدقٍ.الشِعر قضية كبيرة بأعتبارها الوسيلة المعبرة لمكامنِ الانسان، بل للأنسانية، الشِعر تعبيرا عن الوجدان والعاطفة أيضاً، فإن المبدع بصفة عامة والشاعر على وجهِ الخصوص يُمسك يراعه بكل صدقٍ لينقل لنا تموجات هذا العالم وهذا الواقع بكل تلاوينه وتجلياته، بكل شموعه المُضيئة، وبكل سوداويته وقتامته..أن الاثار الابداعية الخالدة هي التي تملك مقدرة خارقة على اختراق معالم الحاضر الانساني في بعدها السطحي وبناء أفق جمالي ممتد تتبدى معه أحوال التأسي، وتتغير من خلالها فيزيونوميا النصوص السابقة المقبلة على قراءة النص على حدِ تعبير رولان بارت، وتنكشف الواجهة العاكسة لتفاصيل اللحظة الضاربة في الماضي والمتغلغلة في تخوم المستقبل.ابداعية الابداع اذن تتلقفها أنامل المبدع بما تغدقه من حيوات تحكمها هواجس الكتابة، المرتع الذي يستوعب جزئيات الكينونة المبدعة قبل أن تنظمها الذات القارئة والقادرة على لملمة دقائق المنثورمن خلال طقسها الاعتيادي يضمنه التماهي اللامحدود، والمفتوح أمام سحر الأثر الابداعي،انفتاح الابداع وامتداد أفقه الجمالي تضمنه سحرية الأدب باعتبارها طقسا احتفاليا يؤثثه حضور المبدع من خلال الاستلهام وتخليد النص واسبال الستار عن الاستثنائي فيه بأحترافية، من هنا يكون الشعر مرآة عاكسة لوجودِ الانسان الأول، حاله وأحواله، تبث من خلالها الذات الشاعرة كل الحنين وكل الشوق والتوق ، تتغنى من خلالها بالمأساة ونقيضها، والملهاة ورديفها... بشكل يضمن لها الرقي والخلود في طابور الآداب العالمي ...
وهنا عندما قرأت في نصوص الشاعرة أليسار الحكيم وجدتُ شاعرية خاصة وحرف باذخ حد الذهول، لديها أدوات جميلة وكثيرة تمكنها من السير الصحيح، أذن نقول انها تمتلك منظومة الأفكاروالقيم والتصورات التي تحكمت في نحت وصياغة صورة المرأة
الشرقية الفذة، التي أستطاعت ترسيخ مخليتها العميقة ، ومن هنا يمكن إدراج هذا الشاعرة ضمن الجهود الفكرية الكبيرة إلى مقاربة بسيطة جداً،أنها شاعرة ضمن جيلها الحالي شاعرة حداثوية تستطيع توظيف الفكرة والحرف بحرفنه عالية، في نصوصها ذهبت في آفاق نظرية ومعرفية بعينها، وهو أمر لن يتحقق إلا بالحوار المباشر مع النصوص والخطابات ، هنا لا نقصد الحديث عن الشعر، الذي يوظف الأسطورة وانما نقصد الشعر الذي يصل من خلال بنائه الخاص الى المستوى الأسطوري. بمعنى أن القصيدة تصبح هي ذاتها أسطورة، من غير أن تعتمد على حكاية أو قصة أسطورية ،فالقضية مرتبطة أساسا: بالقصيدة الشعرية الإبداعية التي تصل من خلال بناء عناصرها الداخلية، ومن خلال رؤيا صاحبها الى المقام الأسطوري، مثال على ذلك الحديث الطويل نص للشاعرة أليسار الحكيم (ذاكِرةٌ مُبهَمة) حيث تقول فيه
سَجعةٌ حروفي
تتكئُ على ذاكرةٍ
مبهمةِ العطايا
أُشعِلُ شُموعَ الوَجْدِ
وَ النّورُ نارٌ تخترقُ الحَنايا
أشّدُ قوّسَ الوِّدِ أُطلِقُ سَهمَه
فلا يُصيبُ نِداً غايةً لمنايَ
أطوي جُموعَ العاشِقينَ وَرداً
فأرى صوّرهُم في دفاتِرِ الغِواية
يا خَيبةً ما كُنتً يوماً أحسَبُها
طوفانَ يأخُذُ راحَتي وهَنايَ
ويترُكُ الروحَ بالفراغِ مترَفةً
لا حُبَّ عِندي...
ولا عِشقاً أثرى رِضايَ
يا كُلّي إليك أهرُبُ لاهِثةً
لا تُطِل بحُلمِكَ وانهض
فالليلُ جفَّ بِهِ الأُنسُ
وضاعَ بالحرّفِ كُلُ رَجايَ.
الشاعرة أستخدمت في نصوصها المستوى الحسي، وهو نوع من الخطاب العادي الذي يعكس صور الأشياء كما هي في واقعها الرتيب، كذلك أستخدمت الرمزية التعبيرية العميقة والمنادات ، تقول،..أختصرت النص برأيي الشخصي بهذه العبارات بأتقان ورؤية شاعر ينظر لبعيدٍ بالافق، والعلاقة الروحانية بينها وبين القلم،كأنها وفي بداية كلامها أرادت ان تبين أن حرفها مخصص لها لتقول بكل تواضع حروفي سجعة،الايدلوجية الحقيقة هي بطريقة المعنى الحقيقي، تتكئُ على ذاكرةٍ ..مبهمةِ العطايا،حتى بهذا القول المترف تحدثت بالنصِ عن كبرياء الانثى ،أي هناك أشياء كانت تبدو ميتة لتشرئب لتثبت وجودها وحياتها، وان رؤى دائرة لتستعيد وجودها وتبعث حية من جديد، إذا حاولنا حصر عملية الإدراك للأشياء في الشعر، فإننا نجدها لا تخرج عن المقامات الكلامية التي جسدتها المستويات التي أشرنا اليها، فمن مستوى عادي حسي، تقوم فيه اللغة بنقل الأفكار والآراء الى مستوى ثان، تلعب فيه العناصر البلاغية المختلفة دورها الأساسي إلى مستوى ثالث تقوم عناصره اللغوية، على لون من البناء الرمزي..
في قول آخر وفي نص آخر لها (أمطارٌ حامضيةٌ... تقتلني)
استخدمت في النص الرمزية الحداثوية الجميلة بصورٍ عالية الدقة، لم تخرج عن المألوف ، ولكن أضافت شي اجمل ،
أقفُ على مفرِق الصمت
أتيمم بيُتم روحي
أمدُّ كفَّ حنيني
لأطيافٍ تعبرُ الذاكِرةَ ...تُدَمِرُني
لا أُشبهُ نَفسي
ولا تُشبهني تلكَ الروحُ الوَهِنة
ك راجعةٍ من مدِّ حلّمٍ عليل
بكلِّ مافيَّ من حُبٍّ...تُزوِّرُني
كأنَهُ الوَّجعُ
يُراقصني الرقصةَ الأخيرة
فوق جِراحٍ نُدبُها متهدلةُ
وبردُ حِرمان
وأنا أتأملُ فكرةً...تُحيرُني
تَهطُلُ شِتاءً دموعي
كأنها أمطارٌ حامضيةٌ
تتلِفُ ما بداخلي
أضيعُ بينها و بين روحي
اتسوّلُها دَمّعةً حلوةً
تُشفي ناراً...تحرقني
وَحّدَهُ الصمتُ قابعٌ أمامَ عينيَّ
وقتٌ يمرْ ... يسرِقُ العُمرْ ... يُمزِق الفِكرْ
وبالموتِ البطيء...يُطوقني
مُخصياً حقول العِشقِ الغابر
منهياً وجودَ المُمكِن
ومُميتاً للقصةِ الّتي
بالحلّمِ المَريرِ...تُزوِّدُني
هنا من الممكن أن أقول ، هي تكشف عن عالم من المقارنات بين الأشياء تبتعد بمسافاتٍ متفاوتة عما هوعادي ومألوف، إن اللغة تعتمد التشبيهات والاستعارات والكنايات كمنطقٍ لها في تناول الأشياء، فالعملية تركيبية بالدرجة الأول والاستعمال مازال خاضعا لنوعٍ من المنطق والعقلانية، بمعنى أن العالم الخارجي لا يزال يحتفظ بقياساته ونسبه وحدوده.إن الشاعرة في هذا المقام، تترك الفرصة لمملكة خيالها لكي تعمل ،ولكن في حدود ما يسمح به العقل ويقبله المنطق، فالمستوى المعرفي في هذا المقام، يتجاوز النقل المباشر،ويتخطى عملية التركيب الى نوع من الكشف للحقيقةِ، وهنا يأتي الكلام في شكل صور من الرموز، والاساطير، بمعنى أن الصورة الرمزية مستوى في الكلام الراقي. إن الصورة الأسطورية لا تخرج الى الوجود إلا في صيغة معقدة من حيث تشكل عناصرها المكونة لها. وهي بذلك توحي بالغرابة وبكل ما هو خارق. إن العلاقة بين الأشياء لا تحددها نظرة العين، والمقارنة بينها لا يستوعبها المنطق الفيزيائي، وادراك الفروق والمسافات والنسب لا يحيط بها العقل الذي يحكم الأشياء كما هي موجودة في عالم الناس، وهذا التوظيف ينطلق من تصور أن الأسطورة بالرغم من كونها تجسد وضعا إنسانيا معينا. إلا أنها تتميز بكونها تمثل حضورا إنسانيا،من خلال البحث والتنقيب الطويل تبين أن الشاعرة أليسار لها حضور بقصيدة الحداثة، من خلال توظيف الحروف بصورة جميلة، واكتشاف المفردات الكبيرة التي أستطاعت الاحتفاظ بها..
تقديري واحترامي الكبيرين(للشاعرة أليسار الحكيم)
بقلم....عامر الساعدي...العراق...30/11/2015

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق